المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العفريت خارج القمقم


الحارث
20 / 09 / 2001, 20 : 07 AM
العفريت خارج القمقم

بقلم: بول كينيدي*
Independent, 16 September 2001

ترجمة تركي الزميلي:

عند الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة من يوم الثلثاء 11 سبتمبر 2001 دخلت أمريكا القرن الحادي والعشرين.
لقد كانت احتفالات الألفية في مربع الأزمان( Times Square) مجرد تظاهرات أو مظاهر سريعة الزوال.
وإن تدمير مركز التجارة العالمي على بعد بضعة أميال فقط جنوبا كان حدثاً لتحول ملحمي.
لقد كان الشعب الأمريكي قبل هذا الحدث بعشرين شهرا يستطيع الابتهاج في دولة الحظ السعيد، حيث الموقع الجغرافي، ووفرة المواد الأولية، والمهارة التقنية، والنفوذ العسكري المطلق.
كل هذه تجمعت في وحدة واحدة لتصنع الولايات المتحدة الأمريكية، القوة العظمى والأمة الأكثر تأثيرا على العالم منذ الامبراطورية الرومانية.
لقد تحقق انهيار الاتحاد السوفيتي. وكان وريثه الروسي ينفجر داخليا وببطء.
وتبخر التحدي الياباني. وكان العالم في طريقه لاقتفاء النموذج الأمريكي للرأسمالية: شبكة الإنترنت، وقنوات البث التلفزيوني، وتوقعات وول ستريت.
وكان القرن الواحد والعشرين سجلاً لمسحة تفاؤل واحدة، يؤكد وبثقة حتى العقد الأخير: "إنني سوف أكون أمريكيا".
ومنذ خمسة أيام تبخرت هذه الثقة مع ذيل الدخان الكثيف، المتصاعد من مبنى البنتاغون المدمر، وبرجي التجارة العالمية المنهارين.
وإنه من الصعوبة احتمال عودتها في المستقبل القريب، هذا إن أمكن لها أن تعود أصلا.
إنه لم يكن أسرع من عرض شبكات التلفزة لمشهد الطائرة الثانية، وهي تغوص في البرج الجنوبي، إلا شروع الأمريكان في تذكر حادثة بيرل هاربر، الهجوم المفاجئ والأقدم على هذه الأمة، والذي تسبب حينها في صدمة عنيفة، أخرجتها من الإعجاب بالذات، والإحساس بالبراءة، والأمان.
غير أن القياس على حادثة بيرل آربرصالح فقط لأن يكون معرضاً لإبراز التباين مع ماحدث مؤخرا في هذا الأسبوع.
فمع أن الأمريكين من ستين سنة خلت وصلت الصدمة إلى أعماقهم، فإن الرد على ذلك الهجوم الغادر كان واضحا وعمليا معا.
لقد تمكنت الطائرات المقاتلة التابعة لدولة أخرى (اليابان) من ضرب حاملة الطائرات والسفن الحربية، وجاءت استجابة الولايات المتحدة بشن حملة عسكرية شاملة برا وبحرا وجوا كي تهزم عدوها المحدد .
ونظرا لكون الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا في ذلك الوقت، يفوق بعشرة أضعاف الناتج المحلي الياباني؛ فقد كانت الحصيلة النهائية لذلك الصراع غير المتكافئ مما يمكن التنبؤ به: إنه الإحراز الذي تحقق، بانتصار كامل من دون قيد ولا شرط.
وهذا بالطبع ما يتوقع المواطنون الأمريكان أنه سيحدث في الرد على هجمات الثلاثاء الإرهابية.
المتاجر والمنازل الخاصة علقت إعلانات تقول: " السيد الرئيس: فلتقصفهم فوراً ". ولكن وبشكل دقيق فإن القياس هنا على حالة باريل هاربر ينسحب خارج النقاش.
إن أمريكا في هذه المرة، لم تهاجم على يد طائرات تابعة لجيش دولة أخرى، وإنما هوجمت بطائراتها المدنية المخطوفة، وفي دلالة رمزية بالغة، بطائرات أمريكان إيرلاين، ويونايتد إيرلاين: وهما شركتا النقل الجوي الأمريكيتان، الأكثر شهرة وضخامة.
وقد كانت الهجمات منفذة بشكل لا يصدق وعلى يد إرهابيين منظمين جيداً، استغلوا عناصر القوة الأمريكية: تقنياتها، ومجتمعها المفتوح، و شركات طيرانها السهلة المنال، وحتى شبكاتها التليفيزيونية، من أجل غرس الخوف، وزرع الإرباك.
إن هذا العدو مبهم، ومراكزه متنقلة ومتحولة،،، وليس من السهل التعرف عليه، وبالتأكيد ليس من السهل تدميره.
لقد كان إيقاع الهزيمة باليابان أشبه بإطلاق النار على فيل، أما هزيمة الإرهاب الذي أحدث هذه الجراح في أمريكا فسوف تكون أشبه بالمشي على قنديل البحر الرخو.
وقاحة الهجوم وسخريته أنه لا أحد يستطيع أن يفلت منه.
من بضعة أسابيع ماضية فقط أنجزت بعض الحسابات عن قوة أمريكا اليوم، كموازنة من خلال مقياس علم الاجتماع النموذجي. والانطباع الغامر الذي كان حينها ظاهرا للعيان هو إلى أي مدى يمكن لهذه الأمة أن تستمر أعلى من كل منافسيها المحتملين في السيطرة العالمية.
صحيح أن أمريكا تتضمن 4.5 % من سكان العالم. ولكن الأرقام المجردة للعدد السكاني نادرا ما تحمل ثقلا عن المقارنة.
فمن خلال المقارنة فإن أمريكا تملك ما بين 29-30 % من الإنتاج العالمي، هذه النسبة المئوية التي أخذت في الصعود في السنوات الأخيرة، بسبب من شلل الاقتصاد الروسي، ووهن الاقتصاد الياباني.
و الأمر الأجدر بالملاحظة أيضا ضخامة الجيش الأمريكي، ففي السنة الأخيرة تم إنفاق 36% من الإنفاق العسكري العالمي، من خلال البينتاغون، وفي الحقيقة فإن ميزانية الدفاع الأمريكي، كانت تساوي ميزانيات الدفاع في الدول السبع التالية لها، والأكثر إنفاقا في العالم. وهذا الرقم في حدود قدرتي على الحكم لم يسبق وجوده من قبل في التاريخ البشري.
وتعطي مقارنة التقانة علماً وتعليماً مزيداً من تعزز الصدارة الأمريكية المتزايدة: نصيبها من حركة الإنترنت العالمية تساوي حوالي 40% ، نصيبها من الفائزين بجوائز نوبل بين عامي 1975 و 2000 يساوي حوالي 70% .
إن وضع كل هذه المقاييس في قوة قومية واحدة معا يظهر مزيجاً مرعباً ورهيبا.
وبحق فإن أمريكا عملاق عصرنا المتجاوز للعالم بحاملات طائراته، وأنظمته الاتصالية، وشركاته ا لعملاقة، وبتأثيره الثقافي العميق.
وحتى الآن ما زال هذا العملاق ذا حساسية مفرطة، من أسلحة مختلفة جدا عن حاملة الطائرات ياماموتو، وفرق مدرعات هتلر العسكرية .
إنه يحمل عقب أخيل، الذي هو وإلى مدى كبير من صنعه. إن تفوقه التجاري والثقافي، ودقه لطبول مبادئ حرية السوق، كانت تبدو كتهديد لعدد كبير من الأديان والمجموعات الطبقية، خصوصا في المجتمعات التقليدية.
شركات أمريكا الجبارة نُظر إليها من قبل منتقدين أمريكان بوصفها غير ملائمة، وأنها ذات تأثير جبار في تعطيل الاتفاقية العالمية لحماية البيئة، وفي فرض التغييرات على الأسواق المقيدة، وفي ترويع حكومات العالم الثالث الضعيفة.
كما أن دعمها القوي لإسرائيل – إلى مدى ربما يكون مذهلا، كما يقول إيزنهاور- منحها أعداءً على امتداد العالم الإسلامي.
ثم إن اختراعها للإنترنت، والدور البارز في إبداع أسواق الأربعة وعشرين ساعة، جعل منها دولة غنية بصورة طاغية، ولكن أيضا حساسة إلى درجة لا تصدق للأعمال التخريبية.
وإن سياسات الهجرة المتسامحة ( مقارنة مع أوروبا)، وانفتاح جامعاها على الطلاب الأجانب، يعني أنها تحتوي إناء ضخم لتذويب الأفراد من كل أرجاء العالم.
وبعض من هؤلاء مغرر به للقيام بأعمال إرهابية.
هذا التناقض بين ظهور أمريكا بلا منافس في الخارج، وحقيقة اشتباكها مع التهديد "الجديد" للإرهاب في عقر دارها، ربما لا مكان أنسب للإمساك به في الأسبوع الأخير ، أكثر من التقارير الإخبارية، التي أفادت بأن ثلاثا من مجموعات حاملات الطائرات كانت تتجه إلى داخل المياه من الساحل الشرقي.
مثل هذه المجموعة من السفن الحربية الحديثة بالغة القوة، تمثل مؤشرَ الغلبة المطلقة، لبلوغ العولمة الأمريكية ، حيث تبعد آلاف الأميال من قواعدها الرئيسة في بلدها، تلك هي القوات التي تمخر المياه بعيداً عن مضيق تايوان، أو تقوم بدوريات الحراسة في المراكز الهامة من الخليج الفارسي.
وليس هناك قوى بحرية أخرى يمكن أن تقاومها. ولكنها في هذا الأسبوع انطلقت مسرعة إلى بلدها، بالرغم من أن مهمتها لم تكن واضحة.
إن هذا يحملنا إذن إلى السؤال الحرج، فيما إذا كانت القوات المسلحة الأمريكية (والأوربية) مستعدة لتهديدات السلام المحتملة في القرن الجديد.
لقد كان عدد متزايد، من خبراء شئون السياسة العالمية والعلاقات العسكرية، لعشر سنوات إلى عشرين سنة ماضية، يشيرون إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية تعودت التركيز الشديد على نمط القتال في الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وأنها تعارض الأخذ بجد تلك الرؤى البديلة لمصادر الصراع، والطبيعة المختلفة للنزاعات.
إن دبابات القتال، وحاملات الطائرات، لا تساعد كثيرا في مواجهة ضغط التزايد السكاني، وكثافة الهجرة غير القانونية، وكوارث الفساد البيئي، ونقص التغذية، وحالات انتهاك حقوق الإنسان، تلك الظواهر التي كثيراً ما نشاهدها في أفريقيا، والبلقان، وهاييتي، والشرق الأوسط، حيث يمكن أن نجد مظاهر تطوع الشبان للتفجير الانتحاري، ولأعمال الإرهاب الأخرى.
إضافة إلى ذلك، فإن برامج التسلح البليونية الضخمة لأمريكا، هي أيضا لا تصلح كثيرا للاستخدام، في معركة المواجهة مع الجريمة العالمية، وتحديات تجارة المخدرات.
أخيرا هناك منفعة محدودة الأثر في صراع أعمال الإرهاب، التي شاهدناها يوم الثلاثاء.
لا أحد يشك بأن أسامة بن لادن وأتباعه سوف يلاحَقون، وأن القنابل الذكية سوف تُوجه إلى التلال والكهوف. ولكن تنظيمات الإرهاب تملك بنية الخلايا المرنة، ومن دون مراكز قيادة فعلية، وسيظهر خلفاء لقيادة هذه الخلايا، كما سيظهر شباب أكثر، ينتظرون كي ينضموا إلى المعركة.
وفي ظل ضخامة كوارث الثلاثاء، وتوق الأمريكان لإظهار التضامن، لاأحد حتى الآن امتلك الجرأة الكافية لمسائلة الرئيس، أو وزير الدفاع توضيح: كيف أن إنفاق 80 بليون دولار على الوقاية من الصواريخ الباليستية التي لا تأتي، يمكن أن يحمي مركز التجارة العالمي. ولكن الوقت لأسئلة كهذه سوف يأتي.
إن الأسوأ لم يأت بعد، فإذا كان عالم الإرهاب يبتهج بمقتل عشرات الأمريكين، فلماذا ينبغي أن نتخيل أن الهجوم بالطائرات هو العاصفة الأسوأ، التي استطاع الشر المنظم جيدا وعديم الرحمة أن يرسلها؟
كم هي المسافة الزمنية التي تفصلنا عن فظاعات من مثل: إسقاط قنبلة نووية صغيرة على مركز التبادل التجاري في شيكاغو, أو نشر مرض الجمرة الخبيثة في أنفاق القطارات في سان فرانسيسكو؟
حين شعر الأمريكان بالأمان، والرضى عن الذات في عصر نورمان، اللطيف والممتع في الثلاثينات من القرن العشرين، حدث أن اهتزا تحت تأثير هجوم بيرل هاربير؟
أما في يوم الثلاثاء فقد نُسفا في الهواء إلى نُثار مع ناطحتي السحاب.
إن هذا القول ليس مما يحب الأمريكان سماعه، وإنه ليبدو شديد التشاؤم، وانهزاميا إلى أقصى درجة.
وإن النداءات على كل الجهات لتنادي بعمل انتقامي سريع، والمفترض إلى حد كبير أنها دعوات طبيعية في ضوء الرعب الذي عانينا منه.
إن الثقافة الأمريكية تحتفل بالانتصارات الحاسمة ، والضربات السريعة الفاصلة والسريعة ، مع الكثير من الحريات:
حرية من الحكومة، حرية من الضرائب، حرية من التسلط العالمي، حرية قيادة سيارات الاستهلاك العالي للوقود، والمطالبة بسعر منخفض للبترول، حرية ركوب الطائرة والنزول منها، مع الكثير من حقائب اليد، حرية أن تكون آمناً ومحمياً من المتاعب الإضافية، فالإرهاق والحذر الذي يميز مواطني بيلفاست، أو إسرائيل، أو كشمير، لا يملك الكثير من الأمريكين خبرته، وهو ما أشك في كونهم نفسيا على استعداد للتعامل معه.
كل هذا يضع القادة السياسيين لهذه الديموقراطية المعقدة والضخمة في رفقة مشكلة، هم إلى الآن على الأقل لم يشيروا إليها بأمانة.
إنهم لم يقولوا إن الجيش القديم والحقائق الاستراتيجية لم تعد كما كانت.
إنهم لم يقولوا إن هذا العدو الجديد ربما باستطاعته أن يؤذي الأمريكان، أكثر مما باستطاعة الأمريكان أن يؤذوه.
إنهم لم يحذروا بأن حريات الوطن المتعارف عليها لأمريكا ربما لن تعود كما كانت وإلى الأبد.
إنهم لم يقولوا بأن الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر، حصلت على لمحة خاطفة مما يمكن أن يحمله لنا جميعا القرن الحادي والعشرون، وأن الطريق أمامنا ربما يكون أكثر قسوة وأشد صلابة، وأعظم من انهيار برجين في وول ستريت، والنسف العرضي للبنتاجون.




--------------------------------------------------------------------------------

* استاذ التاريخ بجامعة ييل، وصاحب الكتابين الشهيرين: صعود وسقوط الامبراطوريات العظمى، والاستعداد للقرن الحادي والعشرين.

ضناني الشوق
20 / 09 / 2001, 51 : 10 AM
تسلم على الكلالام الرائع .:)