عرض مشاركة واحدة
قديم 08 / 12 / 2018, 20 : 10 PM   #2
فتى الجميزه 
" شاعر "

 


+ رقم العضوية » 53052
+ تاريخ التسجيل » 21 / 05 / 2011

+ الجنسْ »

+ الإقآمـہ »

+ مَجموع المشَارگات » 5,317
+ معَدل التقييمْ » 10162
شكراً: 2
تم شكره 77 مرة في 70 مشاركة

فتى الجميزه متواجد حالياً

افتراضي رد: تنبؤات الشيخ تتحقق

وكان رجال قبيلتهم يجلسون كل صباح عند رئيس القبيلة

ليعقدوا رأياً موحداً ويتخذوا قراراً يجمعون عليه وعلى

ضوء هذا القرار يعين المكان الذي تسرح إليه إبل القبيلة لكي

يتبعها الفرسان من أجل حمايتها من غارة العدو وكانت المعلومات

الواردة تفيد أن قبيلة عنزة تزيد عليهم عدداً وعدة ولذلك كانوا

يبعدون بإبلهم عن الأرض التي تقطنها عنزة ويحاولون ما استطاعوا

أن لا يتحرشوا بهم وكان الفتيان يذهبون كالمعتاد كل صباح إلى


رئس القبيلة ليعرفوا المكان الذي تذهب إليه إبل القبيلة

ولكنهم بعد ما عقدوا العزم على أن يذهبوا بإبلهم إلى أرض العدو

المحظورة رأوا أن لا فائدة من وراء ذهابهم إليه بل كل ما في الأمر أنهم

بعد ما امتطوا صهوات خيولهم وتنكبوا سيوفهم ورماحهم وأمروا الرعاة

أن يذهبوا بالإبل إلى الأرض المتوفرة فيها الكلأ والتي تتمتع برعيها إبل العدو

بعد ذلك مروا برئيس القبيلة لا ليأخذوا رأيه في قضية ذهابهم في قضية

قد انتهوا منها ولكن من أجل أن يخبروه بما صمموا أمرهم عليه

مجرد إشعار ليس الا وكم حاول رئيس العشيرة أن يفند رأيهم موضحاً

لهم أن خطتهم هذه إنما هي عملية انتحارية ولكن جميع محاولاته

تفتت على صخرة عزيمة الشباب الفولاذية وهكذا مضى الفتيان .

تنبؤات الشيخ تتحقق

ومضى الفتيان في سبيلهم ولحقوا بإبلهم يسوقونها حتى أوصلوها

الأرض المحرمة على إبلهم والمباحة لإبل العدو وكان مجيئهم

مثار دهشة واستنكار بالنسبة لفرسان عنزة وقد كثرت علامات

الاستفهام فمن قائل أن هؤلاء الفتية بعثهم رجال قبيلتهم للاستدراج

ليتحرشوا بنا حتى إذا هجمنا على إبلهم لحقوا بنا وطوقونا

ومن قائل أن قبيلة شمر جاءها نجدة من أبناء عمهم الذين في العراق

وأن هؤلاء الفتيان لم يتجرأوا على مغامرتهم هذه لو لم يعرفوا

أن وراءهم قوة جاءت من جديد لتحميهم من الخلف

وأخيراً قرر العنوز أن يبعثوا فرساناً ليتحروا الحقيقة وليسبروا

غور القبيلة بكاملها وأن لا يعودوا حتى يأتوا بالسر الحقيقي

الكامن وراء مغامرة هؤلاء الفتيان .

فذهب شلة من فرسانهم لهذه المهمة فراح هؤلاء ولم

يدخروا وسعاً من بذلهم أقصى ما لديهم من الجهد بالتنقيب

والتحري لكشف الحقيقة ظانين أنهم سوف يجدون كميناً

من فرسان العدو ولكنهم بعد ما بذلوا كل ما لديهم من الجهد

ولم يجدوا شيئاً بعد ذلك عادوا إلى رفاقهم وهم قانعون قناعة تامة

أن ليس وراء هؤلاء الفتيان أية قوة تساندهم وأن كل ما هنالك

أنهم صبيان دفعتهم سكرة الشباب إلى القيام بمثل هذه المغامرة

الحمقى ووفقاً لقناعتهم هذه صمموا أن يغيروا على إبل الفتيان

وأن ينهبوها من أيديهم وهكذا فعلوا أما الفتيان فقد دبروا خطة

تقضي بأن لا يكافحوا العدو ساعة هجومه بل يتظاهرون بالجبن

ويلوذوا بالفرار حتى إذا هجم العدو بكامل قوته واطمأن الفرسان

المعتدون بعدم وجود من يكافحهم ومن ثم تقاسموا الغنيمة

واشتغل كل فارس منهم بسوق غنيمته والمحافظة عليها

بعد ذلك يكرون عليهم كرة صادقة على أن تكون كرتهم هذه موحدة

ومصبوبة على أدنى فارس من الغزاة فعندئذن يسهل عليهم

قتالهم فرداً فرداً حتى يستخلصوا إبلهم أو يقتلوهم جميعاً .

وعلى ضوء خطتهم هذه تظاهروا بالفرار إلى أن تقاسم الغزاة الإبل

ومضى كل فارس منهم بحصته عند ذلك كروا جميعاً على

أول فارس من الغزاة وطرحوه أرضاً ثم كروا على الثاني وكان

مصيره كمصير سلفه وعندئذن تخلى الغزاة عن الإبل ولكنهم

لم يتخلوا عن القتال بل كروا على الفتيان حتى حمي الوطيس

بين الجانبين وفي هذه الساعة الحرجة الحاسمة فر أخوهم الكبير

أي ابن المرأة الشاوية وقامت المعركة على الفتيين ابني زوجته الأخيرة

اللذين ظلا يفران ويكران حتى أمساهما الليل وتفرق الطرفان

عن بعضهما ولكن بعد أن غنم الفتيين الفرسين اللتين طرحا فارسيهما

منذ أول المعركة وبعد أن استردا إبلهما ودفع كل فرد منهما ثمناً باهظاً


من الجروح التي نالاها جميعاً من طعان العدو أما أخوهم الأكبر

سالف الذكر فقد كان سليم جسده من أي جرح حيث فرّ من أول

ما حميت المعركة وذهب إلى والده .

فسأل الشيخ ابنه الهارب عن أخويه فأجابه بقوله :

إن آخر عهدي بهما عندما طوقهما فرسان العدو وانهالت عليهم

السيوف والرماح من كل جانب ولم أتركهما إلا وأنا على يقين

من العلم بأن الأعداء مزقوهما إرباً أرباً

وأصغى فائز إلى الحديث المشؤوم الذي يرويه له ابنه وكان بين

المصدق والمكذب ومضى النصف الأول من الليل وهو في قلق عظيم

يشاركه في قلقه هذا أم الفتيين وشقيقتهما التي كانت أقل

من والدتها صبراً وأكثر منها سخاء بسكبها للدموع المنهمرة

من مقلتيها بلا انقطاع أما الشيخ فائز فكان يذرع الأرض الفسيحة

أمام بيته الشعر ذهاباً وإياباً وينشد هذه الأبيات الشعبية معزياً نفسه بها :

موت الفتى دون المعزة والأموال = من فوق قبٌ واردً كالنداوي

في ساعةٍ يثبت بها عرب الأخوال = ويهرب بها الخايب بناخي الشواوي

أخير من صبرٍ على الهون وأذلال = أليا عاد موت الكل بأمرٍ سماوي

المعنى : يقول الشيخ أنه عندما يلاقي الفتى حتفه وهو يناضل

دون كرامته وماله وعلى صهوة جواده هاجماً على أعدائه

كهجوم الصقر على فريسته وفي معركة حاسمة لا يثبت بها إلا الفتى

الشجاع الذي عرف أخواله بالأصالة كما يهرب من هول هذه المعركة الفتى

الذي أخواله ليسوا معروفين بالأصالة أشرف من أن يحيا ذليلاً مهاناً

من أعدائه مادام الموت أمراً حتمياً لا مفر منه .

فالشيخ بأبياته الثلاثة التي يعبر لنا بمعانيها عن واقع أمره يشير

إلى المعنى الذي قال الشاعر الإحسائي علي بن المقرب :

فلا عاش من يرضى الهوان فهل تجد = جباناً على مر الزمان مخلدا

وهل مات من يخشى الوغى قبل يومه = فتى لضروب الحرب لا زال أمجدا

والمعنى الذي أشار إليه أبو الطيب المتنبي :

وإذا لم يكن من الموت بد = فمن العجز أن تموت جباناً

والمقصود : أن الشيخ يعبر لنا في هذه الأبيات أنه وإن كانت

عاطفة الوالد لابد من أن تؤثر على قلبه ولكنه يظهر بمظهر الذي

يفضل مصرع بنيه وذهاب إبله على أن يرى إبل أعدائه ترتع في الأرض

الخصبة بينما إبله تبيت الطوى كما أنه يثني على ابنيه اللذين

يعتقد أنهما قتلا وفي الوقت ذاته يهجو ابنه الذي هرب بدون أن

يعرف مصير أخويه ويعتبر أن ثبات ابنيه دليل على عراقة نسب

أمهما وأصالة أخوالهما كما يعتبر أن هروب ابنه هذا من أوضح الأدلة

على أن أخواله ليسوا من أهل الشجاعة والمجد .

وفي الحين الذي كان الشيخ يردد هذه الأبيات بذهابه وإيابه أمام بيته

وتارة يختطف كوباً من القهوة ويحتسيه وهو في هذه الحالة

جاءت ناقة خلوج من إبل الشيخ فائز وقصدت ابنها الصغير عند البيت

وعندما رأى الشيخ هذه الناقة بات في نفسه من الأمل وراح يخاطب

هذه الناقة كأنه يخاطب إنساناً يعقل قائلاً :

ناشدتك الله يا فلانة يسميها بسمها أين ولديّ فلان وفلان

ثم يعود ويقول مخاطباً الناقة أيضاً أخبريني عنهما لاعتقادي

أن لديك خبر أصح وأصدق من الخبر الذي جاء به ابن الشاوية

وفي الوقت الذي كان يردد الشيخ هذه العبارات للناقة تارة

وأحياناً ينشد الأبيات السالفة الذكر

وفي تلك اللحظة جاءته ابنته تهرول قائلة :

أبشر يا أبي لقد سمعت حداء وأهازيج كأنها أصوات أخوي

يلحنانه تلحين المنتصر فقال أبوها :

اذهبي يا ابنتي ولا تعودي حتى تنبئيني بالخبر الأكيد

فذهبت ملياً ولم تعد حتى وقفت على الحقيقة

ورأت أخويها كما رأت الفرسين اللتين غنماهما من العدو

فعادت مسرعة تبشر والدها بل وتزغرد زافة لوالدها البشرى

بسلامة أخويها وزيادة على ذلك بشرته بالفرسين اللتين

غنمهما أخواها من العدو وبعد ذلك وبفترة قصيرة جاء الفتيان

يسوقان الإبل ولم ينقص منها شيء ولكن كان كل واحد

منهما مثخناً جسده بعدة طعنات من رماح وسيوف العدو

وكان البدو يستعملون للجريح علاجاً عربياً وهو ما يسمى

بالتكميد وتعريف هذا العلاج هو أن تشعل النار في حفرة رملية

وبعد أن تخمد النار يزاح الجمر عن هذه الحفرة وتترك إلى أن تخف

حرارتها وتبلغ درجة يستطيع أن يتحملها جسد الإنسان

وعند ذلك يؤتى بالجريح ويدفن في وسط هذه الحفرة فترة من الوقت .

وعلى الفور أمر الشيخ ابنه الأكبر الهارب أن يحفر ثلاث حفر وأن يشعل

فيهن النار فحفر اثنيتن ثم عاد إلى والده يستفسر عن الغاية

من حفره للثالثة فقال الشيخ :

بعدما تنتهي من حفرها وإشعال النار فيها وإزاحة الجمر للثلاث عند

ذلك سوف أخبرك عن السبب لحفرها فذهب الابن ونفذ ما أمره به والده

وعندما انتهى من الحفر وإشعال النار وإزاحة الجمر من جميع الحفر الثلاث

بعد ذلك قال الشيخ لابنه الهارب
:
كنت أتمنى أنك شاركت أخويك بشرف النضال وأن جسمك ناله من شرف

الكفاح القدر الذي نال جسمي أخويك لكي أدفنك كما دفنتهما وأنت مرفوع

الرأس ناصع الجبين موفور الكرامة أما وقد جبنت وانهزمت عن أخويك لذلك

يتحتم عليّ أن أدفنك في وسط الحفرة لتشارك أخويك على الأقل

بألم حرارة الرمل لأن نفسي لم تطب أن أدفن أخويك البطلين وأخلي سبيلك .

فدفنه أبوه وبدون رضاه وفي الصباح الباكر استدعاه والده وقال له :

هب أن الله توفاني ألم تكن ابني ويحق لك أن تنال نصيبك من مالي

كوارث شرعي كما يرثني أحد أبنائي فقال الابن
:
أجل يا والدي قال الأب :

أريد أن تعلم من الآن بأنني قررت بان أهبك من مالي ما تستحقه

فيما لو كنت ميتاً شريطة بأن لا أراك بل تعتبرني ميتاً كما أعتبر أنك لم تخلق .

وأخيراً ذهب الفتى عن والده وراح يعيش بين خواله بعدما أخذ نصيبه من الإبل .

ويقول الراوي لقد سردت هذه القصة لكي أطلع القارئ على مقدار ما يؤمن

به أهل البادية بالوراثة أما أنا شخصياً فإنني ليس مؤمناً بأن الوراثة

عن طريق الأم بل ولا عن طريق الأب لها تأثير إيجابي في نمو مواهب

الفرد أكثر من تأثير الزمان والمحيط والمجتمع والعادات والقرين .

وأصدق ما يقال بهذا الصدد قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه

(الناس بزمانهم أشبه به من آبائهم) .

والغريب أن الشعراء الشعبيين تختلف نظرتهم في هذا الشأن

اختلافاً كلياً فبينما نجد شاعر الحماسة محمد العوني يقول

في قصيدته المسماة بالألفية :

الجيم جنب عن ردي الطماعة = وصادق صديق لك ترى به شجاعة

ترى ردى الخال ما به بتاعه = وتراك من عز المباري تعزى

والمعنى : يقول العوني يجب على المرء أن يبتعد عن دنيء الهمة

وأن لا يصادق إلا المرء المغامر الطموح الشجاع ويقول في البيت

الثاني أن من يكون خاله جباناً دنيئاً لا يمكن أن يكون شجاعاً

ويقول أن المرء يعز ويحترم بين رجال مجتمعه بقدر ما يختاره

لنفسه من الصاحب الطيب والصديق الكريم بحكم أن الصديق

مرآة منعكسة عن أخلاقه وهذا خلاصة ما يقوله العوني .

بينما نجد شاعر الحكمة والموعظة والإرشاد محمد العبد الله القاضي

يقول في بيتين على عكس نظرية العوني بقصيدته اللامية الشعبية وهما قوله :

لا يفتخر من جاد جده وخاله = هي بالهمم لا بالرمم مثل من قال

الجمر يمسي كالخلاص اشتعاله = ويصبح هشيمً مغبراً خامداً بال

والمعنى : يقول في البيت الأول لا يحق للمرء أن يفاخر بنسبه

لامن ناحية أبيه وجده ولا من ناحية أخواله لأن هذه الأمور لا أهمية

لها وإنما الأهمية والأحترام للرجل العصامي الذي يصنع المجد لنفسه

بنفسه معتمداً على سمو همته الشخصية لا على عظام ورمم

آبائه البالية ثم يذهب القاضي مؤكداً هذا بقوله : إننا إذا شئنا أن

نقبل النظرية القائلة أن كل أصل جيد وطيب فإن فرعه سيكون طيباً

فإن المنطق يفند هذه النظرية بحكم أن النار هي أقوى وأصلب المواد

من حيث أصلها ولكن فرعها رماد لا ينفع وأصح معنى في

هذا الصدد هو ما قاله المرحوم معروف الرصافي :

وشر العالمين ذوو خمول = إذا فاخرتهم ذكور الجدودا

وخير الناس ذو حسبُ قديم = أضاف لنفسه حسباً جديدا

1 = الخلوج الناقة التي وضعت من جديد حواراً وتركته في

مكانه لا يستطيع المشي معها لصغره .

أعجبتني ونقلتها لكم ودمتم سالمين

سبحان الله وبحمده

سبحان الله العظيم

 

  رد مع اقتباس